محمد متولي الشعراوي
794
تفسير الشعراوي
الكثيرة ، والمسجد لن يأخذ منك إلا الوقت القليل ، فضع قدرك مع نعلك خارج المسجد ، وادخل بلا قدر إلا قدر إيمانك باللّه . واجلس في المكان الذي تجده خاليا ، فلا تتخط الرقاب لتصل إلى مكان معين في المسجد . فأنت تدخل بعبودية للّه وقد يأتي مجلسك بجانب من يخدمك ، والصغير يقعد بجانب الكبير ، ولا تلحظ لك قدرا إلا قدرك عند اللّه . إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يجلس حيث ينتهى به المجلس . أي عندما يجد مكانا له ، وهذا خلاف زماننا حيث يحجز إنسان مكانا لإنسان آخر بالسجادة ، وقد يدخل إنسان ليتخطى الرقاب ، ويجلس في الصف الأول وهو لا يعلم أن اللّه قد صف الصفوف قبل أن يأتي هو إلى المسجد . وما دمنا سنترك أقدارنا فلا تقل أين سأجلس وبجوار من ؟ بل اجلس حيث ينتهى بك المجلس ولا تتخط الرقاب . وانو الاعتكاف ولا تتكلم في أي أمر من أمور الدنيا حتى لا تدخل في دعوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بألا يبارك اللّه لك في الضالة التي تنشدها وتطلبها . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ، فهل معنى ذلك أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد ؟ لا ؛ إن الاعتكاف يصح في أي مكان ، ولكن الاعتكاف بالمسجد هو الاعتكاف الكامل ؛ لأنك تأخذ فيه بالزمان والمكان معا . « وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها » ومعنى « الحد » هو الفاصل المانع من اختلاط شئ بشئ ، وحدود اللّه هي محارمه . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « . . ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ألا إن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى اللّه تعالى في أرضه محارمه » « 1 » . إذن فالمحارم هي التي يضع اللّه لها حدا فلا نتعداه . ولنا أن نلحظ أنه ساعة ينهى
--> ( 1 ) هذا الحديث أخرجه الامام البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير وهو هنا جزء من الحديث .